حين يصبح المغترب ذكرى في وطنه وغريباً في منفاه”
بقلم: محمد الجامعي
لماذا اخترت عبارة “أنا نصف ميت” ولم أختر “أنا نصف حي”
خمسة عشر عامًا. خمسة عشر خريفًا يتساقط فيه الورق بعيدًا عن الشجرة الأم، خمسة عشر ربيعًا لم تشهده عيناي في الأرض التي شهدت مولدي. حين سُئلت عن حالي بعد كل هذه السنوات في المهجر، وجدت نفسي أقول تلقائيًا: “أنا نصف ميت”، ولم تخرج من فمي عبارة “أنا نصف حي”. ربما يرى البعض في هذا تشاؤمًا أو سوداوية، لكنها في الحقيقة أصدق تعبير عن واقع الاغتراب الذي عشته.
الفرق بين العبارتين ليس مجرد لعبة لغوية أو اختيار بين كأس نصف ممتلئ أو نصف فارغ. إنه فرق جوهري ينبع من تجربة الفقدان التدريجي لهويتي، لذاكرتي، لجزء من روحي التي تركتها هناك في الوطن بينما سافر جسدي إلى أرض أخرى، إلى مكان ليس بمكاني .
طيلة هذه المدة التي قضيتها في المكان الذي اختاره لي قدري، كنت أتواصل مع أصدقائي بين الحين والآخر. وفي كل مرة أتصل بأحدهم، كانوا يقولون لي : “دردك دردك ،عمرك طويل، كنا للتو نتحدث عنك بحال إلى راك معانا ”. في البداية كنت أبتسم لهذه المصادفة، لكن مع تكرارها أدركت معناها الأعمق: كانوا يتذكرونني كما يتذكرون الأموات. كنت أقول لنفسي: “إنهم يذكرونني كما يذكرون الراحلين”. كلانا غائبان عن الحياة التي نعرفها، الفرق الوحيد بيني وبين الأموات أنني لا زلت أمشي فوق الأرض بينما هم راقدون تحت التراب. فحينما قلت “أنا نصف حي”، فأنا كنت احاول أن اقنع نفسي بأن ما تبقى من الحياة كافٍ، بأن النصف الموجود يمكن أن يملأ الفراغ الذي تركه النصف الآخر. لكن الحقيقة أن ذلك النصف الميت ظل يثقل كاهلي كل يوم، يذكرني بأن جزءًا مني توقف عن النبض منذ لحظة المغادرة.
في المهجر، تعلمت لغة جديدة، بنيت حياة جديدة، عقدت صداقات وحققت إنجازات. كنت “حيًا” بالمعنى البيولوجي، أستيقظ وأعمل وأضحك أحيانًا. لكن ذلك النصف الذي تركته خلفي – نصفي المرتبط برائحة التراب بعد المطر في حارتنا، بصوت أذان الفجر الآتي من فوق صومعة مسجد حي ديور سنياك ، حيث تفوح رائحة حريرة با اليزيد و تسمع ضحكات الأصدقاء في المقاهى و حينما كان يجرني الحنين لأنال لمسة يد أمي و اضع قبلة على راسها لأسمعها تقول ( الله يرضي عليك يا ولدي ) – ذلك النصف كان يموت ببطء. كانت الذكريات تتلاشى مع الوقت، الوجوه تصبح أقل وضوحًا، الأصوات أكثر بعدًا.لان الاغتراب ليس فقط مسافة جغرافية، إنه موت بطيء لجزء من الذات . كل عيد يمر دون أن تكون مع عائلتك، كل مناسبة تفوتك، كل جنازة لا تحضرها، كل فرح تسمع عنه عبر الهاتف ، كل هذه اللحظات هي طعنات صغيرة في ذلك النصف الذي يربطك بجذورك. وحينما عدت أخيرًا بعد خمسة عشر عامًا، أدركت أن ذلك النصف لم يكن ميتًا فقط في داخلي، بل كان ميتًا في الخارج أيضًا. الشوارع تغيرت، الناس تغيروا، حتى أنا لم أعد الشخص نفسه الذي غادر.
لذلك اخترت “أنا نصف ميت” لأنها الحقيقة الصادقة. لم أختر “أنا نصف حي” وجدت فيها اعترافات مغترب دفن نصفه في الوطن” لأن ذلك كان سيكون خداعًا للنفس، و محاولة لإخفاء الألم تحت قناع السعادة المزيفة إذا لم اعترف بالحقيقة
