محمد الجامعي:لحظة الوداع المهيبة ودقّت الساعة… ساعة الفراق الأبدية

 

غادرتُ سانتياغو، تلك المدينة التي نُقشت في ذاكرة الزمن شاهدةً على مجدٍ لم تحلم به الأحلام، وصار واقعاً يُسطّر بماء الذهب في سجلّات التاريخ الكروي المغربي. سانتياغو… المدينة التي حوّلها فتياننا إلى عرشٍ للتتويج، وميداناً للمعركة، كُتب فيه النصر باسمنا بأحرفٍ من نور.
الملك… معلّم الوطنية
لقد أدرك جلالة الملك بحكمته السامية أن الرياضة ليست مجرد لعبة، بل هي نبضٌ يوحّد القلوب، وجسرٌ يربط الأرواح. رأى في كرة القدم لغةً تُحيي الهوية الوطنية، وتبثّ في العروق روح الانتماء والفخر.
لقّننا جلالته درساً خالداً في الوطنية الصادقة والولاء النبيل. علّمنا أن حبّ الوطن لا ينفصل عن حبّ القائد الذي يحمل همومنا على كاهله، ويسعى بكل جوارحه لتحقيق أحلامنا. غرس فينا تلك الروح المقدسة التي تضع مصلحة الوطن فوق كل المصالح، وترفع رايته فوق كل الرايات.
لحظة الانتصار الخالدة
حين سنتذكر هذا اليوم و هذه اللحظة المجيدة، حين أطلق الحكم صفارة النهاية معلناً انتصارنا،لم تكن تلك الصفارة إيذاناً بالنهاية، بل كانت إعلاناً مدوّياً لبداية الاحتفال العظيم.
في تلك اللحظة المهيبة، انفجرت المملكة فرحاً. امتلأت الشوارع في كل مدن المغرب، من أقصاها إلى أقصاها، بموجٍ بشريٍّ عارم. كان منتصف الليل، لكن الفرحة أضاءت الظلام، وتحوّلت الأزقّة والساحات إلى مهرجانٍ من البهجة لا ينتهي.
واستمرّ الاحتفال يعلو ويتصاعد، حتى تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. لم تهدأ القلوب، ولم تسكن الأقدام الراقصة، بل ظلّت الأفراح تتردّد أصداؤها في كل ركنٍ من أركان الوطن، شاهدةً على ليلةٍ لن تُمحى من ذاكرة التاريخ.
كانت ليلة المغرب… ليلة الفخر والمجد، حيث تعانق الفرح مع الفجر. وغمرتنا فرحةٌ عارمة اجتاحت كل مشاعرنا… سندرك أن الوطنية ليست شعاراتٍ جوفاء تُرفع في المحافل، بل هي أفعالٌ حيّة تتجسّد في قراراتٍ شجاعة وحكيمة، كما يُلهمنا بها جلالة الملك محمد السادس.
بفضل رؤيته الثاقبة، عشنا تجربة المشاركة في هذا المونديال بكل كبرياء وشموخ، وشعرنا بأننا جميعاً نسيجٌ واحد في هذا الوطن العظيم، نعمل تحت راية واحدة، وقيادة واحدة، تُلهمنا حب المغرب، وتُعمّق فينا الولاء والانتماء.

وهكذا… بقيت سانتياغو في القلب، ذكرى لا تُمحى، ودرساً في الوطنية لا يُنسى.