مذكرات محمد الجامعي
أليس الحب، في جوهره الأزلي، أعمى البصيرة؟ وهو من أطلق لقلبي العنان ليهيم في كل جمال يتراءى له في هذا الوجود الفسيح. حسبتها في البداية لعبة صغيرة، كخرزة تتدحرج في راحة اليد، مطمئنًا إلى قدرتي على التحكم في مسارها. غير أنني أدركت، بعد فوات الأوان، أنها عالم فسيح لا حدود له، يمتد كالبحر في لا نهائيته المدهشة.
وحين دنوت من شاطئه الساحر، سحرتني زرقة مياهه الآسرة التي تلمع تحت أشعة الشمس الذهبية. فناداني بصوت العمق الغامض: “تعال، اغطس في أسراري المكنونة”. ظننت، في سذاجة المحب الأول، أن الغوص سيروي ظمأ الشوق ويطفئ أواره المتقد في أعماقي. لكن كلما تجرعت من ملوحته الأزلية، كلما اشتد بي الظمأ وازداد أواري اشتعالاً، حتى صرت كالغريق الذي يشرب البحر، ظانًا أنه سينجو من الغرق كلما زاد من شرب ماءه، لكن ما يزيده الشرب إلا غرقًا في أعماق أعمق.
يا أيتها اللامنسية، يا من لا تُنسى ولا تُذكر إلا بالوجد العميق… ما زلت أعشقك كما لا أعشق سواك في هذا الكون الواسع. عشقًا يتجدد مع كل نبضة تخفق في صدري، ويتصاعد مع كل أنفاس تتردد في رئتيّ. زيديني عشقًا، زيديني هيامًا، فالبُعد عنك لم يقتلني فأستريح من عذاب الشوق، والقرب منك لا يحييني فأطمئن إلى دفء اللقاء.
أنا في منزلة بين المنزلتين، معلق في فضاء وجداني الخاص: لا موت يريحني من آلام الحب، ولا حياة تُسعدني بنشوة الوصال. زيدي فوق نار العشق حطبًا، فعسى أن تصير النار، في عجيب مفارقاتها الإلهية، بردًا وسلامًا على قلب المحب الولهان. فما أعذب أن تكون جحيم المحب جنته، وما أسعد أن يكون عذابه نعيمه الأبدي!
في رحلة الغياب والحضور
كنت أوهم نفسي، في لحظات الضعف الإنساني، أن العيش بعيدًا عنك أمر هين يمكن تحمله. لكن الحقيقة المرة أنه محال، محال كأن أعيش بلا روح تحرك جسدي أو أتنفس بلا هواء يملأ رئتيّ. لو خُيرت بين الدنيا بأسرها وبينك، لاخترتك على الحياة والسماوات والأرض وما بينهما من عوالم مترامية الأطراف.
إذا كان حضوري معك موتًا في عذوبته، فإن غيابي عنك موتان، وأي موت هذا الذي لا يُريح الروح من أوجاعها؟ رحلت عنك طويلاً، عبر مسافات شاسعة من الزمان والمكان، لكنك لم تغادري قلبي لحظة واحدة. لقد أيقنت أنك شيء محتوم في قدري، وقدر مكتوب بأحرف من نور .
ستظلين كالأقدار التي صنعتنا بحكمة إلهية.
زيدني غرقًا على غرقي، فزرقة مياه بحرك لا تزال تغريني بجمالها الأخاذ. أنت العشق الذي لا شفاء منه، والداء الذي يرحب به كل مريض. فحينما أصبت بك، بدأت أتناول من الأدوية ما يكفيني كي لا أتعافى منك، فأي شفاء هذا الذي يقتل الروح ويميت القلب؟
اعتراف بالألم والأمل
أعلم أنك تألمت كثيرًا لرحيلي المفاجئ، وهذا ما يحزنني أشد الحزن ويمزق قلبي إربًا. لكنني آمل من كل قلبي أن تدركي الأسباب الخفية التي دفعتني إلى ذلك الرحيل الذي أذاقني وجع الغياب المرير. طيلة سنوات المهجر الطويلة وأنا أمشي على خنجر حاد وأناجيك في صمت الليالي.
والآن أشهد أن حضوري موت وأن غيابي عنك موتان، في دورة أبدية من العشق و الرحيل. قد عرف الغياب أني أعشقك وأني أجدد يومًا مضى، لأحبك يومًا وأمضي، في رقصة أزلية بين الوجد والفراق.
تساؤلات روحي الحائرة لا تتوقف وتزعجني في هدوء الليل. إلى أين تمضي بي هذه الحياة المتقلبة؟ وما الذي يصنعه بي قدري المكتوب في لوح القدر؟ حينما تبتعدين عني، تفقد حياتي بهجتها وتقودني نحو الكآبة السوداء. كل الأشياء تغدو باردة وباهتة بعدما يطؤها الزمن بقدمه الثقيلة اللامبالية.
ماذا عساني أعمل في هذا الوجود الفارغ؟ في كل صباح، عندما أنظر إلى المرآة، لا أرى إلا وجهي البائس المكرر. إنني أتعفن من الملل والضجر. لقد ضاع مني كل شيء ولا يبقى بحوزتي إلا قلمي الوفي، أحاول به تلوين الحروف وابتكار خطوط بألوان زخرفية، غير تلك القديمة التي طالما تعثر بصرنا بها كل يوم.
عودة إلى الجذور قادمة لا محالة
لا شيء يحرك روحي الميتة، لذا قررت العودة إلى حيث بدأت القصة. لنركب سفينتنا معًا ونترك الرياح تجري كما تشاء، فما عادت سفينتنا تشتهي رياحًا لا شرقية ولا غربية. بل رياحًا من عالم آخر، رياحًا تحمل في طياتها عبق الذكريات وأنفاس الحب الأول.
في هذا العالم الفسيح، حيث تتراقص الأحلام مع الواقع، وحيث يلتقي الألم بالأمل، ستبقين أنت النجمة الوحيدة التي تضيء ظلام روحي، والشمس التي تشرق في سماء قلبي المتعب.
