مذكرات محمد الجامعي:ليتني لم أقترب
ليتني لم أقترب منها حينما لمحتها أول مرة و اعجبتني ، ليتني بقيت أنظر اليها فقط من بعيد. كم كانت تبدو لي كعالم جميل سواحله زرقاء و قد لون لي خيالي المشهد بأبهى صورة ممكنة.
لقد دخلت قلبي بسرعة الضوء، كما لو كانت تحمل قوة خفية لا تقاوم، واستقرت في أعماقه بلا استئذان. كانت كالحلم الذي لا تريد أن تستيقظ منه، ولكنك تدرك لاحقاً أنه يثقل قلبك بواقعه.
رفضت الخروج، وأصبح لها مأوى و عنوان في داخلي، و
غرست جذورها في أعمق نقطة وأعلنت ملكيتها.
أتساءل الآن: متى تصاب بالعشق ؟ في القرب أم في المسافة؟ و هل كان سحرها في الحقيقة أم في الغموض الذي أحاط بها؟ تعلقت كثيرا باشياء وجدتها تناسبني ، مثّلت لي
لحظة شعور جميلة حينما اقترب منها لكن في النهاية تلاشت تلك الهالة التي كانت تلفها، ويبدأ الواقع في كشف أوجهها التي لم اكن اتوقعها إلا هذه المرة
ربما لم تكن المشكلة لا في القرب و لا في المسافة ، بل في قلبي الذي فتح أبوابه على مصراعيه لها دون حذر، ظاناً أنه سيحتوي كل شيء دون أن ينكسر. ولكن مع مرور الوقت، أدركت أن الاقتراب قد يفسد السحر، وأن هناك جمالاً خاصاً في البقاء على المسافة، حيث تبقى الصورة مثالية كما تخيلتها.
ليتني تعلمت أن أراقب الأشياء التي تعجبني من بعيد، و أتركها تحتفظ بسحرها الغامض، دون أن أفسدها بمحاولتي لامتلاكها. لقد أدركت أن لكل تجربة ثمنها، وأن القرب الذي أذاني يوماً علمني درساً لن أنساه أبداً: ليس كل ما يعجبك يستحق أن تقترب منه.
كانت نظرة واحدة منها كافية لتحرق كل ما كنت أعتقد أنه مستقر في داخلي. كنت أظن أن قلبي قد عرف العشق قبلها لكن حين رأيتها أدركت أن ما عشقته من قبل كان مجرد سراب.
.
رأيتها… ولأول مرة تمنيت لو أن عينيّ خانتاني. تمنيت لو لم يلتقط قلبي هذا المشهد، لأنه الآن عالق في ذاكرتي كوشم لا يزول. أصبحت كل الأشياء بعدها مجرد ظلال باهتة، وأصبحت أنا مجرد عاشق لصورة لن تتكرر.
أطعمتها خبزًا وحبًا، وألبستها أجمل الفساتين، ورعيت شبابها كما ترعى الأم طفلها. كل صباح كان شغلي أن أراها تكبر وتزدهر، كل يوم كنت أزرع في حياتها فرحًا جديدًا، وأقتطع من شبابي زهرة لأزين دربها. كبرت بين يديّ كالحلم حتى أصبحت شيئًا يفوق الخيال جمالًا وبهاءً.
لكنها في ليلة زفافها. ليلة يفترض أن أكون فيها جزءًا من فرحتها، أن أكون القلب الذي ينبض سعادة من أجلها. لكنها مدت يدها، لا لتحضنني أو تشكرني، بل لتنقش حنّتها لعريسها، وأعلنت للعالم أنها الآن ملك لشخص آخر.
في تلك اللحظة شعرت بأنني بعيد عن المشهد ، غريب اشاهد من بعيد ، كأنني لم أكن جزءًا من القصة. وجدت نفسي محشورًا في زاوية، ككيس مملوء بالنفايات، لا قيمة لي ولا أهمية. لا أنا من أهل العروس، ولا أنا من أهل العريس. كنت مجرد شاهد على قصة لم يُذكر اسمي فيها.
يا للمفارقة! أن أكون الذي زرع وأعطى، ثم يُنسى في لحظة الحصاد. أن أكون ذلك الذي وقف خلف الستار، يصفق بصمت بينما تُسلط الأضواء على الجميع إلا هو.
كم هو مؤلم أن ترى ثمرة حبك تُقطف بيد غيرك، أن تكون حاضرًا في أجمل لحظة دون أن يُدعى اسمك.لقد شعرت في تلك الليلة أنني لم أكن أكثر من مرحلة عابرة، محطة توقفت عندها لبعض الوقت قبل أن تمضي إلى حيث تنتمي.
لكنني اليوم أدركت شيئًا مهمًا: أحيانًا، العشق ليس ملكية، بل عطاء. ورغم الألم، سأظل أذكر أنني كنت السبب في ضحكتها الأولى، في جمالها الذي أبهر الجميع. حتى لو نسيتني، لن أنسى أنا أنني كنت لها كل شيء في وقت ما.
لقد شعرت، وما زلت أشعر، ولن أتوقف عن الشعور.
وكيف للقلب الذي عايش كل هذا أن يتوقف؟ كيف للمشاعر التي نبتت بداخلي أن تموت وهي متشبثة بجذوري، ممتدة في عمق كياني؟
لقد شعرت بكل شيء، بالفرح حين كنت قريبًا منها،و بالحزن حين غابت، وبالألم حين أدركت أنها لم تعد لي. شعرت بالفخر وأنا أراها تكبر، وبالخذلان وأنا أرى أيدي الغريب تحتضن ما كان لي وحدي.
ما زلت أشعر… شعورا لا يعرف الزمان، لا يتوقف عند حدود اللحظة ولا يزول مع مرور الأيام. أشعر وكأن كل لحظة عشتها بجانبها تُعاد أمامي مرارًا، كشريط لا ينتهي، وكأنها محفورة في ذاكرتي إلى الأبد.
لا زلت اشعر ولن أتوقف عن الشعور، لأن القلب الذي عشق بصدق لا يعرف الخيانة، حتى وإن خانه العالم كله. سأظل أعيش على أطيافها، على ذكرى ابتسامتها، على إحساس كان يومًا ملجأ لي من صخب الحياة.
قد يكون هذا الشعور عذابًا لا ينتهي، لكنه أيضًا دليل على أنني عشت بصدق. أنني أحببت بكل ما فيّ، وأنني لم أكن يومًا ممن يعبرون الحياة بلا أثر. ولن أتوقف عن الشعور، لأنني في أعماقي أؤمن أن بعض الحب لا يموت أبدًا، بل يتحول إلى جزء من روحنا، يعيش معنا إلى الأبد.
