مذكرات محمد الجامعي: حكاية القدر وأطياف 17 نوفمبر

ما لو أخبرتكم أنني نصف حكاية في مهب الريح، والنصف الآخر طيف لنبيل يسكن الروح؟
لا السماوات بأبراجها، ولا الأرض بسهولها وجبالها، استطاعت أن تباعد بين روحين تعانقتا في فضاء الألم.

شاء القدر المُحتّم أن يتقلص الكون العظيم إلى نقطة ضوء خافتة في زاوية مدينة فرنسية صغيرة اسمها Rumilly روميلي تقطن بها عائلة الشاب نبيل ، جمعت بين قصتين كأنهما قصة واحدة كُتبت بحبر الدمع، عنوانها “السابع عشر 17 من نوفمبر” – ذلك التاريخ الذي نُقش بإزميل القدر على جدران الذاكرة.

نحن اثنان , أنا و عز الدين يتبادلان الألم كهدايا، يتقاسمان لوعة الفقد والغياب، في حين يعزف القدر على أوتار قلوبنا لحناً شجياً.

تصادَفَ – أو ربما تعمَّد القدر – أن يكون رحيلك في السابع عشر من نوفمبر، اليوم ذاته الذي احتفلت فيه والدتك بمجيئها إلى الدنيا. لكن هذا الرقم لم يكتفِ بحكايتكما، بل امتد خيطه المشؤوم إلى قصتي، فكان السابع عشر من نوفمبر هو اليوم الذي غابت فيه شمس والدتي، في ليلة عسعس فيها الليل وتأخر الصبح حزناً على فراقها.

تلك الوالدة التي كانت بطلة إحدى رواياتي، شاركتني كأس المعاناة حتى الثُمالة. وكما هي سخرية القدر، رحل أبي في يوم ميلادي، كأن الموت والحياة تواعدا في لحظة واحدة.

أناجي نفسي بحيرة: كيف سيكون حالي بعد أن تغادر هذه المدينة، وأنا أحمل في قلبي حكاية نبيل التي استوطنت روحي ولن ترحل أبداً؟ هل بمقدوري أن أحتمل هذا العبء من الألم دون أن تتمزق حنجرتي بالصراخ؟ دون أن يتحطم قلبي إلى شظايا كلما تراقصت أمام عيني ذكرى ولدي نبيل؟

هل يُمكن للإنسان أن يحمل في صدره كل هذا الثقل ثم يظل منتصباً كأن شيئاً لم يكن؟ كيف لي أن أرسم ابتسامة على شفتي وجمرات الحزن تكوي أحشائي؟ كيف ألقي تحية الوداع على أخي عز الدين دون أن تنهمر دموعي كشلال لا ينضب؟

إن المأساة الكبرى في فقدان من نحب ليست في غيابهم فحسب، بل في ضياعنا أثناء البحث عنهم في متاهات الخيال، في استحضارهم مع كل مكان مألوف، في رؤيتهم في وجوه أصدقائهم المقربين.

ما أقسى أن تواصل المسير في دروب الحياة وأنت تحمل جرحاً نازفاً لا يلتئم، أن تخاطب الناس وفي أعماقك وحشة قاتلة، أن ترسم البسمة على شفتيك والحروب تشتعل في دواخلك.

انها لأشد قسوة وإيلاماً – أن تفقد فلذة كبدك وتمضي عمرك تبحث عن طيفه في كل زاوية ومنعطف و كانه لس سوى مسافر تعطلت رحلة عودته، وظل معلقاً بين المحطات .​​​​​​​
لله ما اعطى و لله ما أخذ