رسالة مفتوحة إلى الرئيس فوزي لقجع. عندما يكرمك الغريب و يتجاهله القريب ثقافة الاعتراف الغائبة
بقلم:محمد الجامعي. في مشهد يختصر الكثير من المفارقات التي نعيشها، استقبلت القنصل العام للولايات المتحدة الأمريكية بالدار البيضاء فريق الصغار من أكاديمية رحال وجمعية اجاكس ميامي” استقبالاً خاصاً، بعد عودتهم من امريكا حيث شاركوا في دوري دولي لكرة القدم ، و قد نوّهت فيه بالمبادرة النبيلة التي جمعت بين أطفال المغرب وأطفال أميركيين في دوري أخوي هدفه التعارف والتمازج وخلق جسور الصداقة بين أبناء الوطنين.
هذا التقدير، هذا الاعتراف الرسمي، هذا الاحتفاء بالمبادرة… كل هذا جاء من “الغريب البعيد”، بينما غاب عن “القريب الحبيب”.
يا لها من مفارقة مؤلمة
كم من مبادرة وطنية رائعة قمنا بها مرت في صمت؟ كم من جهد بدلناه في سبيل النهوض بكرة الصالات و جمع شمل الجالية المغربية و الدفاع عن وحدة التراب الوطني دون أن يلقى كلمة تشجيع واحدة من المسؤولين المحليين و خاصةً من السيد فوزي لقجع رئيس الفوتصال المغربي . كم من مشروع شبابي غيّر حياة عشرات من الشباب المغربي لكنه لا يستحق – في نظره – حتى بياناً تقديرياً او دعوة حضور مقابلة في كرة الصالات
القنصل الأمريكي فهم قيمة المبادرة: التبادل الثقافي، بناء جسور التواصل، تنشئة جيل منفتح على العالم. أدرك أن هذه الأنشطة البسيطة في ظاهرها تحمل في جوهرها بذور السلام والتفاهم بين الشعوب. لذلك بادر بالاستقبال والتكريم والتنويه.
أما نحن، فننتظر… ننتظر أن يلتفت إلينا أحد، أن يقول لنا “أحسنتم”، أن يدعمنا ولو بكلمة طيبة.
درس في الوفاء من وراء المحيط
وهذا التقدير الأمريكي للمبادرات المغربية ليس وليد الصدفة، بل هو امتداد لثقافة راسخة في الاعتراف بالجميل والوفاء للتاريخ. حدث مهم جاء بعد مرور 250 عاماً عليه، ولا يزال الأمريكيون محافظين به في الطبق الأعلى من الذاكرة.
وها نحن نرى أن أعضاء من مجلس الشيوخ الأمريكي يردّون الاعتبار للمملكة المغربية باعتبارها أول دولة اعترفت باستقلال أمريكا، خاصة وأننا على أبواب احتفال أمريكا بالذكرى 250 على استقلالها.
قرنان ونصف من الزمن! ومع ذلك لم ينسَ الأمريكيون تلك اللحظة التاريخية عندما اعترف المغرب – بقيادة السلطان محمد بن عبد الله – بالولايات المتحدة الوليدة عام 1777، ليكون بذلك أول دولة في العالم تعترف باستقلالها. بل إن معاهدة الصداقة المغربية الأمريكية الموقعة عام 1786 لا تزال سارية المفعول حتى اليوم، مما يجعلها أقدم معاهدة صداقة أمريكية لا تزال نافذة.
عندما تصبح الذاكرة ثقافة
الأمريكيون لم يكتفوا بالاحتفاظ بهذا الحدث في كتب التاريخ، بل حوّلوه إلى ثقافة حية: معاهد للدراسات المغربية الأمريكية، منح دراسية تحمل اسم هذه الصداقة التاريخية، فعاليات سنوية تحتفي بهذا الإرث، وحتى “بيت المغرب” في واشنطن الذي يُعتبر رمزاً لهذه العلاقة الاستثنائية.
بل إن الكونغرس الأمريكي يُصدر – بين الفينة والأخرى – قرارات تذكّر بهذه الصداقة العريقة، ويؤكد على أهمية تعزيزها. وعندما اقتربت الذكرى 250 للاستقلال الأمريكي، تصاعد الحديث في أروقة مجلس الشيوخ عن ضرورة رد الجميل للمغرب، والاعتراف بالدور التاريخي الذي لعبه في لحظة كان فيها الاعتراف بأمريكا مغامرة محفوفة بالمخاطر.
نحن نتفنن في نسيان الجميل
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: الأمريكيون يتذكرون موقفاً حدث قبل قرنين ونصف، بينما نحن ننسى جهوداً تُبذل اليوم، في الوقت الحاضر، تحت أنظارنا.
نحن الذين نملك تاريخاً عريقاً في الوفاء والاعتراف بالفضل، تحولنا – مع الأسف – إلى مجتمع يبخل بكلمة تقدير، ويتجاهل المبادرات الطيبة، ولا يحتفي بصانعي التغيير إلا بعد أن يحتفي بهم الغرباء.
الأمريكيون علّمونا درساً في الذاكرة، في الوفاء، في ثقافة الاعتراف. هم لم ينسوا موقفاً تاريخياً رغم مرور القرون، بينما نحن ننسى مواقف حاضرة رغم حداثتها.
المشكلة ليست في هذه المبادرة وحدها، بل هي ظاهرة عامة تعكس غياب “ثقافة الاعتراف” في بلدنا الحبيب. نحن لا نجيد فن التقدير، لا نعرف قيمة الكلمة الطيبة، لا نؤمن بأن الاعتراف بالجهود يضاعف الإنتاج ويحفّز على العطاء.
الكثيرون يعملون في صمت، يبذلون جهوداً جبارة في المجالات التربوية والثقافية والرياضية والاجتماعية، لكنهم لا يجدون من يشد على أيديهم، من يقول لهم “نحن نراكم، ونقدر ما تفعلون”.
وعندما يأتي التقدير، يأتي – للمفارقة – من الغريب البعيد، من قنصل أجنبي أو مسؤول دولي أو منظمة عالمية. أما المسؤول المحلي، فهو مشغول عن رؤية الإنجاز الذي يحدث تحت أنظاره.
لماذا نحن هكذا؟
ربما لأننا نعتبر أن العمل الجيد واجب لا يستحق الشكر. ربما لأننا نخشى أن “المديح يفسد الناس”. ربما لأن الاعتراف بنجاح الآخرين يُشعرنا بالتقصير. أو ربما لأننا ببساطة لم نتربَّ على ثقافة التقدير والامتنان.
مهما كان السبب، فالنتيجة واحدة: إحباط المبادرين، قتل روح الإبداع، وخلق حالة من اللامبالاة تجعل الكثيرين يتساءلون: “لماذا نُجهد أنفسنا إن لم يكن أحد يهتم؟”
الحل يبدأ منا
إذا كان الأمريكيون قد احتفظوا بذاكرة 250 عاماً من الصداقة، فما الذي يمنعنا من الاحتفاء بمبادرات اليوم؟
ثقافة الاعتراف لا تُبنى بقرار إداري، بل تنمو بالممارسة اليومية. نحتاج أن نتعلم من النموذج الأمريكي، لا في علاقاته الخارجية فحسب، بل في تعامله الداخلي أيضاً:
∙ الاحتفاء بالمبادرات الصغيرة قبل أن تصبح كبيرة
∙
لنتعلم من الأمريكيين فن الوفاء، ولنتذكر أن الاعتراف بالجميل ليس ضعفاً بل قوة، وأن تقدير الجهود ليس منّة بل واجب، وأن الكلمة الطيبة صدقة تُثمر ألف إنجاز.
عندما يحتفي مجلس الشيوخ الأمريكي بموقف مغربي عمره 250 عاماً، ونحن لا نحتفي بمبادرة مغربية عمرها بضعة أشهر، فهذا يعني أن الخلل ليس في قلة الإنجازات، بل في عمى البصيرة عن رؤيتها.
خاتمة
عندما يحتفي قنصل أمريكي بمبادرة مغربية، فهذا جميل. لكن الأجمل ان نتعلم أن نقدّر ما عندنا قبل أن يقدّره الآخرون، عندها فقط نكون قد بدأنا فعلاً في بناء وطن يستحق أبناءه.
الأمريكيون احتفظوا بذاكرة 250 عاماً من الصداقة المغربية الأمريكية، فهل نعجز نحن عن الاحتفاظ بذاكرة يوم واحد من الجهود الوطنية؟
فالاعتراف ليس ترفاً، بل هو وقود العطاء، وسرّ الاستمرار، ومفتاح التميز. وإذا كان التاريخ قد علّمنا شيئاً، فهو أن الأمم لا تُبنى بالإنجازات وحدها، بل بالاعتراف بها وتكريم أصحابها.
“ما نجده عند الغريب البعيد لا نجده عند القريب الحبيب” – هذه ليست مقولة للرثاء، بل دعوة للتغيير. دعوة لنتعلم من ذاكرة الآخرين كيف نحترم جهود أبنائنا، قبل أن يهاجروا بإبداعهم إلى حيث يُقدَّرون.
فلنبدأ اليوم، الآن، بكلمة شكر، بلفتة تقدير، بتكريم بسيط، لنزرع في نفوس المبدعين أملاً في وطن يراهم ويحتفي بهم… قبل أن يحتفي بهم الغرباء.
