ميلادي في مدينة الأبطال: مذكرات رحلة عمر: 73 عاما كلها تأملات في الحياة والرياضة

في مثل هذا اليوم من عام 1952، انطلقت صرختي الأولى تعلن قدومي إلى هذا العالم، وكان ذلك في مدينة القنيطرة، المدينة التي يحلو للبعض أن يطلق عليها “مدينة اللقلاق” نسبة إلى هذا الطائر الذي اتخذ من مآذنها ومبانيها العتيقة موطنًا له.
مدينة الأبطال المنسيين
القنيطرة، هذه المدينة التي لم تبخل يومًا بإنجاب الأبطال، وإن كان التاريخ قد نسي الكثير منهم أو تناساهم عمدًا. فمن أرضها الطيبة خرج العداء الأسطوري سعيد عويطة، ذلك البطل الذي جعل المغرب يفتخر به في المحافل الدولية، وحمل اسم الوطن عاليًا في سباقات المسافات المتوسطة والطويلة.
ومن نفس التراب نما بوجمعة بن أخريف، اللاعب الدولي الذي دافع عن ألوان المنتخب الوطني بشرف وكبرياء، وترك بصمته في تاريخ الكرة المغربية. وكيف ننسى الملاكم صلاصل، ذلك المحارب الذي خاض معاركه داخل الحلبة بنفس الشجاعة التي خاض بها أبناء مدينته معاركهم ضد المستعمر.
وفي عالم الرياضة أيضًا، برز عبد الله الزين، صاحب الميدالية الذهبية، ذلك البطل الذي أضاف لمعانًا جديدًا إلى تاج مدينة القنيطرة الرياضي
حصد الذهبية في أولمبياد أثينا رغم إعاقته، بل جعل من تحديه الجسدي سلاحه الأقوى نحو القمة.
و انتزع الذهب من عرشه المتحرك، فكانت عزيمته أقوى من أي عقبة، وحول ما يراه البعض ضعفاً إلى مصدر قوة لا تُقهر.

و البطل العالمي بدر هاري الذي قهر الكبار . ثم
أجاكس القنيطرة: فخر المدينة
ولا يمكن الحديث عن القنيطرة الرياضية دون التطرق إلى أجاكس القنيطرة بكل لاعبيه الذين شكلوا على مر السنين أسطورة حقيقية في عالم كرة القدم المغربية. هذا النادي العريق الذي حمل اسم المدينة إلى آفاق بعيدة، وجعل من القنيطرة عاصمة رياضية بامتياز.
مدينة النضال والكفاح .
القنيطرة لم تكن مشهورة بأبطالها الرياضيين فحسب، بل كانت أيضًا مسرحًا لحركة نضالية قوية إبان فترة الاستعمار. شوارعها وأزقتها شهدت على تضحيات أبنائها من أجل الحرية والاستقلال، ورجالها ونساؤها كانوا في المقدمة عندما نادى الواجب الوطني.
هذه المدينة التي تتنفس الكفاح والنضال،الأدب و الشعر و بين أزقتها الضيقة ربت أجيالاً من المناضلين الذين قدموا أرواحهم فداءً للوطن، كانت بحق منارة للمقاومة والصمود في وجه الظلم والاستبداد.
ألم الفراق والحنين
واليوم، وأنا أستذكر هذه المدينة التي شهدت ميلادي، وترعرعت في أحيائها وشوارعها، لا أملك إلا أن أبكي عليها حتى أغرق في الدموع. فالحنين إلى المكان الذي شهد البدايات والأحلام الأولى شعور لا يمكن لأي شيء أن يخففه أو يزيله.
القنيطرة تبقى في القلب والذاكرة، مدينة الأبطال المنسيين، مدينة النضال والكفاح، مدينة الأحلام الأولى التي منها بدأت رحلة العمر الطويلة

اليوم أنا في عمرٍ تجاوز السبعين بثلاث أعوام ، أجد نفسي أقف على أعتاب مرحلة جديدة من التأمل والاستذكار. خمسون عامًا قضيتها في خدمة الرياضة، وتحديدًا كرة القاعة مع نادي أجاكس، كانت بمثابة رحلة طويلة من العطاء والتفاني والشغف الذي لم يخبُ رغم مرور السنين.
فصول الحياة والذكريات
الشباب والأحلام
في سنوات الشباب الأولى، كان كل شيء يبدو ممكنًا. الأحلام كانت تتراقص أمام عيني كالنجوم في ليلة صافية، وكان لدي من الطاقة والحماس ما يكفي لتحريك الجبال. لم تكن الطريق سهلة، فخدمة الرياضة وتطوير لعبة كرة القاعة تطلبت تضحيات جمة وصبرًا لا ينتهي.
التقدم في العمر والحكمة
اليوم، وبعد كل هذه السنين، لا يؤلمني التقدم في العمر بقدر ما تؤلمني الأحلام التي شاخت في داخلي دون أن تجد طريقها إلى النور. القلب شاخ قبل الجسد، والروح تحملت من الأثقال ما يفوق قدرة البدن على احتماله.
طبيعة شخصيتين
الصمت والتأمل الداخلي
من يعرفني يدرك أنني قليل الكلام، أفضل الاستماع على التحدث، وأحبس في داخلي الكثير مما أريد قوله. هذا الصمت ليس عجزًا، بل اختيار واع لمن يفضل التأمل على الثرثرة، والتفكير العميق على الحديث السطحي.
التشتت بين الماضي والحاضر
أجد نفسي تائهًا بين حكايات مضت وأخرى أعيشها الآن، مشتتًا بين أمنيات أسعى إليها وأخرى ضاعت مني دون أن أدركها. هذا التشتت أصبح جزءًا من طبيعة الحياة في هذا العمر، حيث تتداخل الذكريات مع الواقع في مشهد واحد معقد.
التحديات الجسدية والنفسية
آثار الزمن
الزمن لا يرحم أحدًا. تساقطت الأسنان كالأوراق في الخريف، وأصبحت النظارة رفيقًا دائمًا لا يفارق الوجه. هذه التغيرات الجسدية تذكير يومي بأن الحياة رحلة لها بداية ونهاية، وأن كل مرحلة لها جمالها وتحدياتها.
ألم الفراق
في المهجر، ذقت ألم الفراق، كان الألم يتضاعف حين يصلني خبر رحيل صديق عزيز، دون أن أتمكن من تشييعه أو المشاركة في وداعه الأخير. هذا النوع من الألم له طعم خاص، مزيج من الحزن والندم والشوق.

رغم كل التحديات والصعوبات، تبقى التجربة الرياضية مصدر إلهام وفخر. خمسون عامًا في خدمة الرياضة علمتني أن القيمة الحقيقية ليست في النتائج فحسب، بل في الرحلة نفسها، في الإصرار والمثابرة والتفاني.
رسالة للأجيال الجديدة
للشباب الذين يقرؤون هذه السطور، أقول لهم: لا تدعوا التحديات تثنيكم عن أحلامكم. الحياة قد تكون قاسية أحيانًا، لكن الإصرار والصبر يمكن أن يحولا أصعب الظروف إلى انتصارات. كل سقطة هي درس، وكل درس هو خطوة نحو النجاح.

في نهاية هذه التأملات، أدرك أن الحياة ليست مجرد سلسلة من الأحداث، بل هي قصة نكتبها بأفعالنا وقراراتنا ومواقفنا. قد نشيخ في الجسد، لكن الروح يمكن أن تبقى شابة إذا حافظنا على الأمل والشغف.
هذه قصتي، وهذه تجربتي، أشاركها معكم ليس للشكوى أو النواح، بل للإلهام والتشجيع. فكل واحد منا له قصته الخاصة التي تستحق أن تُروى وأن تُحتفى بها.

هكذا كانت البداية في مدينة اللقلاق، حيث امتزج العبق التاريخي بأحلام الطفولة، وحيث تشكلت الملامح الأولى لشخصية ستواصل المسيرة لعقود قادمة. القنيطرة، يا مدينة الأبطال، ستبقين دائمًا في القلب، مهما باعدت بيننا المسافات والسنوات.