حديث ذو “سجون” في غربة اضطرارية

بقلم: محمد الجامعي

‎تولدت لدي فكرة الكتابة عن سيرتي الذاتية ، مند أن غادرت أرض الوطن في 31 من شهر ماي 2000، صوب الولايات المتحدة الأمريكية. الهجرة لم تكن طوعية او فكرة تراودني ،ولم تكن اختيارية ولم تخطر ببالي أو تتراقص أمام عيني. فجأة ودون سابق إشعار وجدت نفسي في مكان ليس بمكاني و انتابني شعور غريب بدات اشعر بأنني خارج ذاتي منفصلا عن كياني.
‎لم تكن في مرة او حتى جزء من مرة ان الهجرة واردة في حلمي ، سافرت طيلة خمسة عقود من عمري إلى عدد كبير من دول العالم متنقلا عبر المطارات و الموانئ دون أن يمارس علي بلد جاذبيته أو يغريني ربوع بجماله ونظامه. كانت أمنيتي دوما حتى وأنا أحمل حقيبة سفري، أن أعيش في وطني وأموت في تربته، لكن ما كل ما يتمناه المرء يجده.
لانني كنت اعلم بان
‎الغربة لها وجهان: الأول بشوش يستقبلك حينما تحط الرحال لأول مرة في بلد الاغتراب. والثاني حزين حينما تطول بك المدة وتطوي مساحة السنين، حينها تشعر بأنك قد أضعت وسقطت منك سهوا تقاليدك وأصبحت كائنا بلا لون ولا رائحة، لا أنت منهم ولا هم منك.
‎في الغربة ننسى عادة النوم، ننسى عادة الاغتسال في الشمس، وننسى عادة مناجاة القمر، نتحول إلى بشر كله ألم ورضوض. في الغربة نتحول إلى شعراء عشق وقلق. ننام فوق القروح والأعاصير ونستيقظ تارة وسط غابة من ذباب.
‎كذب من لم تعلمه الغربة عادة الاندهاش..يندهش من كلب حراسة، يخشى كلبا بلا أنياب..يفزعه منبه سيارة تربكه الأضواء ينال منه السهو حتى يفقد التوازن ويعيش أبد الدهر كائنا مائلا اختلت موازينه. يكذب من لم تعلمه الغربة الممارسات الاستلابية..فيبتسم بلا مناسبة، وبنافق بلا مناسبة، ويمتلك موهبة التماس الصدقات الجارية.
‎الوجوه في الغربة كملاءة سرير مرتخية، والشفاه متدلية كثريات رخيصة، لا أحد يضحك بصدق وكأنه سمع نكتة فاحشة طويلة، لكن يظل الواقع يضاجعنا كل مساء، نحلم نصف مرة وتغتالنا الكوابيس مئات المرات، ويزورنا الأرق فيرمي بنا في خندق التأمل.
‎ما أقسى أن نحيا باغتراب من الداخل، تتمرد عليك نبضات القلب ويتمرد العقل، وتسير أحياناً بلا ذاكرة ولا مقود، أحيانا ترى بلا ألوان وأحياناً تتنفس بلا رئة، ويبقى نصف حلمك هو الاستثمار الوحيد.
‎كم مرة وجدت نفسي أمتهن الأحقاد، أخاصم الناس وأخاصم نفسي، كطفل يصر على لعبة ولكن قارئا واحدا يمسح كل المساحيق ويحطم الأقنعة.
‎غدا سيسألني إبني: ماذا تعلمت من الغربة، ويكفي أن أبكي وأضحك ليعرف باقي التفاصيل، فيعفيني من الجواب.
‎غداً سيسألني أقربائي عن الغربة، سأقدم لهم من رأسي شعرة بيضاء، ومن وجهي جلودا بلا ضياء، فيصرفون النظر عن الرد.
‎غداً سيسألني شامت عن الغربة، سأقدم له ساعة يد يابانية وفيديو وبقايا صبر وقبعة تقيه من شر السؤال.
‎جميعنا نزرع أجمل الأماني، لكن قليلا منا من يحصدها، لأن العدو دائما ينتظر الثمار تنضج ليقطفها.
‎في البداية كانت الصدمة قوية، كانت عنيفة تكاد تقذف بي خارج جسدي، وكلما حاولت النسيان عادت لتعالجني بهزة لا تقل عنفا في سلاليم الكوارث الآدمية.
‎أديت ثمن باهضا حرمني من تحقيق ما كنت أحلام بالألوان، وما كنت أتمنى تحقيقه يوما لوطني، صودرت الكلمات في جوفي لم أعد قادرا على الحديث لأشفي غليلي ولا على الكتابة لتدوين وقائع حياتي. لزمت الصمت على مضض وابتلعت أقراص الصدمة كدواء مر، ثم ربطت أصابعي وكسرت أقلامي، ومزقت الورق وسكبت حبر محبرتي. كي لا أكتب عبارة احتجاج أو أنطق بها في صمتي وكلامي.

‎ولأن من له القدرة على أن يعود للعطاء لا تهمه الانكسارات، فقد آمنت بأن الحياة قد تتعثر ولكن عقاربها لا تتوقف. أخفق من كان يعتقد بأن السجن هزيمة و هجرتي راية الاستسلام،
الحقيقة ان السجن كان هزيمة بالنقط و الهجرة تجنبت بها الضربة القاضية.