مذكرات محمد الجامعي: أسطورة الكرة الصغيرة حكاية عشق مغربي في البدء كانت الكرة
تحت سماء القنيطرة الصافية، حيث تتلاقى نسائم الأطلسي بعبق التاريخ، وُلدت قصة عشق لا تنتهي. قصة رجل واحد وكرة صغيرة، غيّرت مجرى رياضة بأكملها في بلاد المغرب الأقصى.
جاء الميلاد من رحم البحر
في صيف عام 1971، كان الميناء يغفو على أمواج هادئة، عندما حملت الرياح سفينة روسية محمّلة بأكثر من البضائع والبحارة. كانت تحمل في جعبتها بذرة حلم لم يكن أحد يتوقع أن تنبت في التربة المغربية وتزهر حتى تصبح شجرة وارفة الظلال.
محمد الجامعي، ذلك الرجل الذي كان يعمل بالميناء كأي عامل عادي، لم يدرك أن لحظة واحدة ستغير مسار حياته للأبد. عندما رأى البحارة الروس يتناقلون كرة صغيرة بينهم، كان الأمر أشبه بصاعقة من السماء اخترقت قلبه.
عندما يصبح الحب قدراً
“من أول لحظة رأيتها عشقتها” – بهذه الكلمات البسيطة يلخص الجامعي لحظة الميلاد الحقيقية لكرة الصالات في المغرب. لكن كيف يمكن لكرة صغيرة أن تأسر قلب رجل إلى هذا الحد؟
إنه ليس مجرد حب، بل قدر محتوم. كما يصفه الجامعي: “علاقتي بها أصبحت كعلاقة مرضى السكري بالأنسولين”. إنها حاجة حيوية، ضرورة وجودية، نفس لا يستطيع العيش بدونه.
من “الميني فوة” إلى “الفوتصال”
في البدايات، كانت تُعرف في أزقة حلالة الضيقة باسم “الميني فوة”، تلك اللعبة التي اعتبرها البعض “لعبة المجانين”. ولكن كما هو حال كل الأشياء العظيمة، بدأت من الهامش، من الأطراف، من حيث لا يتوقع أحد.
عبر المحيط، في أمريكا الجنوبية، كانت تحمل اسم “فوتبول دي صالون”. لكن القدر شاء أن تخوض معركة قانونية مع الفيفا، تلك المعركة التي ولدت منها هوية جديدة: “الفوتصال”. كأن الاسم الجديد كان نبوءة بميلاد عصر جديد.
عذابات العاشق الأول
لمحمد الجامعي الذي لم يكن مجرد شاهد على الميلاد، بل كان القابلة التي ساعدت على ولادة هذه الرياضة في المغرب. لكن كما هو حال كل الرواد، كان عليه أن يدفع ثمن ريادته غالياً.
“شرب من كأس هذا الحب الذي بدأ حلوًا كالعسل، لكنه سرعان ما تحول إلى مرارة”. هذا هو قدر العاشقين الحقيقيين – أن يحبوا بصدق، وأن يعانوا بصمت، وأن يعطوا دون انتظار مقابل.
سافر بها عبر البحار والبلدان، حاملاً في قلبه شعلة لا تنطفئ. في الغربة، حيث تشتد الوحشة وتطول الليالي، كانت كرة الصالات رفيقته الوحيدة، حبيبته التي لا تخونه مهما طال البعاد.
المرأة التي سقطت من بين اليدين
اليوم، في خريف العمر، يقف محمد الجامعي كرجل عجوز ينظر إلى حبيبة شبابه وقد أصبحت في أيدي آخرين. كرة الصالات التي أحبها وربّاها ونمّاها، أصبحت الآن تُلعب في قاعات فاخرة، وتُبث مبارياتها على الفضائيات، ويحصد آخرون ثمار ما زرع.
لكنه لا يحمل في قلبه مرارة، فالحب الحقيقي لا يعرف الأنانية. إنه يفرح لنجاحها حتى لو لم يكن جزءاً من هذا النجاح. كالأب الذي يرى ابنته تتزوج وتسعد في بيت آخر – يبتسم رغم الألم.
وصية العاشق الأبدي
“يجمع محمد الجامعي أحزانه وهزائمه في حقيبة، كما لو كان ينتظر قطارًا للسفر لن يصل أبدًا”. لكن في هذا الانتظار المؤلم، في هذا الحنين العميق، تكمن عظمة الرجل.
وصيته للأجيال القادمة بسيطة وعميقة في آن: “احصدوا ما زرعت، لأن الزارع في الحقول الصعبة ليس دائمًا هو من يحصد”. إنها حكمة الرواد، الذين يزرعون للآخرين ويسعدون برؤية الثمار حتى لو لم يتذوقوها.
يحلم الجامعي الخلود تحت التراب أن يتحول قبره إلى رمز لكرة الصالات في القنيطرة، في حلالة التي أحبها. أن يصبح ترابه جزءاً من الملعب الذي حلم به. إنه خلود من نوع خاص – أن تصبح جزءاً من الحلم الذي أحببته.
في نهاية المطاف، تبقى قصة محمد الجامعي وكرة الصالات أكثر من مجرد تاريخ رياضي. إنها قصة إنسانية عن الحب والتضحية والوفاء. قصة رجل آمن بحلم وضحى من أجله، وزرع بذرة نمت لتصبح شجرة تظلل الآلاف.
وكما تبدأ كل الحكايات الجميلة بـ”كان يا ما كان”، تنتهي قصة كرة الصالات في المغرب بـ”وعاشوا في سعادة إلى الأبد” – ليس لأن النهاية كانت مثالية، بل لأن الحب الحقيقي لا يعرف النهايات.
فالعشق، كما علّمنا محمد الجامعي، ليس في الامتلاك، بل في العطاء. وليس في الحصاد، بل في الزراعة. وليس في الشهرة، بل في الإيمان بالحلم حتى لو لم يره أحد سواك.
“بها أنام وعليها أصحو… وسأظل وفيًا لها حتى يوم وفاتي”ساموت و سأحيا بالعشق الذي لا يموت
– محمد الجامعي، عاشق كرة الصالات الأول في المغرب
