محمد الجامعي: حوار الروح مع المرآة

في صمت الليل، حيث تتراقص الظلال على جدران الذاكرة، وقفت أمام مرآة الزمن. لم تكن مجرد مرآة من زجاج وفضة، بل كانت بوابة سحرية تفصل بين عالمين: عالم الماضي بأحلامه الذهبية، وعالم الحاضر بجراحه الدامية.
تأملت وجهي في تلك المرآة الصامتة، فرأيت غريباً يحدق إليّ بعينين تحملان أسرار العمر وحكايات الم عشقي الممنوع ، همس ذلك الغريب بصوت كأنه نسيم الفجر الحزين:
“لا تخف… فقد أصبحت أنا أنت، وأصبحت أنت أنا. أراك كما يراك الناس، وأخافك كما تخاف نفسك من الحقيقة.”
حينها بدات رحلة في أنفاق الذاكرة
فانساب بي ذلك المشهد الرهيب كنهر جارف عبر وديان الزمن، حاملاً إياي إلى شواطئ الماضي البعيد. ثلاثة عقود من العمر تتراقص أمام عيني كأوراق الخريف المتناثرة في مهب الريح.
حدث هذا في فترة جائحة كورونا التي جاءت كعاصفة صحراوية عاتية، دفنتني في رمال العزلة، وأجبرتني على الحفر في أعماق الذات. أصبحت أسيراً خلف جدران بيتي، لكنني في الوقت نفسه تحررت لأبحر في محيطات الذكريات اللامتناهية.
بدأت الأسئلة تتساقط على قلبي كقطرات المطر الثقيل: مَن أنا في هذا الكون الفسيح؟ كيف كان وجهي بالأمس عندما كانت الأحلام تزين ملامحي؟ وكيف أصبح اليوم وقد حفرت عليه تجاعيد الأيام وخدوش التجارب؟
رقصة الذكريات امامي
في تلك اللحظات السحرية،و تفتحت أزهار الذاكرة تباعاً. استعدت حواراتي مع نفسي في أيام الصبا، عندما كنت ملكاً على عرش أحلامي، حراً كطائر في سماء وطني الحبيب، محاطاً بدفء الأحباب وأنغام الأخوة.
أما الآن، فقد أصبحت منفياً في أرض الغربة، أبحث عن حريتي المسروقة في أزقة مدن العم صام ، كانت تلك الأيام الذهبية مليئة بالنضال الشريف، حيث سعيت بقلب صادق وإرادة من حديد، حتى حققت للوطن مجداً لم تشهده الأجيال من قبل.
لكن الآن، وأنا أحاول أن أحكي تلك الملحمة، تتعثر الكلمات على شفتي وتختلط العبارات في صدري. أحياناً تأتي كلماتي رقيقة كنسمة الربيع، وأحياناً أخرى تنهمر كالدموع الحارة على وجنتي الذابلتين.

في لحظات الصفاء، تغمرني ذكريات السعادة كأشعة الشمس الذهبية، فأبتسم دون وعي منّي. وفي لحظات أخرى، يخترق الحزن صدري كخنجر مسموم، فأبتلعه صامتاً كدواء مرّ، آملاً أن ينسيني طعم الأسى.
في تلك اللحظات القاسية، أتمنى لو أستطيع أن أصارع القدر بيدي العاريتين. لقد أتعبني التفكير المستمر، وأرهقتني تصرفات البشر الغريبة، وكلّت عيناي من السهر الطويل في ليالي الوحدة.
أشعر كأنني روح تائهة في عالم غريب، جسد حي لكن قلبه ميت. لقد تعب جسدي من طول الاشتياق، وملّت نفسي من المناجاة والانتظار الأبدي. صرت مرهقاً من التهميش والإقصاء، ومن عدم اعتراف الناس بجهودي وتضحياتي.
وسط عاصفة المشاعر بدأ صراع القلم والقلب
حاولت مراراً أن أرفع قلمي الذهبي لأكتب عن مشاعري المتدفقة، لكنني كلما بدأت، تراجعت كالجندي المهزوم. لا توجد كلمات في قاموس اللغة قادرة على شفاء جروحي النازفة، ولا عبارات تستطيع ترجمة ما يغلي في صدري من عواطف جياشة.
كيف يمكنني أن ألخص كل هذا المحيط من الألم في بضع كلمات؟ هل أكتب عن الصمود والكبرياء، أم عن القهر والوجع المدفون؟ هل أتحدث عن الصبر والوفاء، أم عن التضحية والفداء؟
شعرت أنني أحلق في سماء الإبداع بلا أجنحة، وأبحر في محيط العواطف بلا أشرعة. وفي النهاية، ألقيت بالقلم على الأرض في يأس، لأن سفينة روحي لم تجد مرساها في ميناء الكلمات بعد.
رغم كل هذه المعانات بقيت احتفظ بأمل شروق عهد البداية الجديدة
مهما اشتدت العواصف، ومهما ادلهمت الظلمات، لن أترك حبي لوطني الغالي يذبل في قلبي. ومهما ابتعدت المسافات، سأعود إليه حتماً كما يعود النهر إلى البحر.
مفتاح مدينتي الحبيبة لا يزال محفوظاً في يدي كأمانة مقدسة، وسأحطم قيود الغربة الثقيلة بإرادتي الصلبة، وأعود لأحصد ذكرياتي الذهبية قبل أن تتلاشى في فضاء النسيان.
سأبدأ من جديد كالفجر الذي يولد كل صباح. سأدفن الألم الذي استوطن عرش قلبي، وأحوّل دموعي المالحة إلى قطرات ندى تروي ورود الأمل. سأمحو كل ذكرى حزينة نقشتها الأيام على روحي، وأبدأ من الصفحة البيضاء كطفل بريء لا يحزن إلا لبعده عن حضن أمه الدافئ.
و ستكون عودة الروح إلى الوطن
حتماً سأعود إلى وطني، سأعود لأرى مدينتي وتعود إليّ أحلامي المسروقة. سأعود لأنني سئمت من العيش في أوهام الغربة الكاذبة. بنيت فوق ترابك الطاهر يا وطني مدينة من الأحلام الذهبية، ولا أريد أن أموت تحت ركام الأوهام المتهاوية.
سأظل واقفاً صامداً كالجبال الشاهقة أمام عواصف الزمن، ولن أدع الماضي الجميل يذوب في طي النسيان المظلم.
سأبحث عن حريتي المفقودة في كل مكان. لا أريد أن أقضي بقية عمري أسيراً للغربة القاتلة، ولن أسمح لنفسي بأن تستيقظ بعد فوات الأوان. ولن أترك حياتي بلا معنى في زمن الأوهام الزائفة.
تبقى وحدك أنت يا وطني… نجم الأمل في سماء روحي المظلمة.