حين كان محمود درويش في السجن، زارته أمه حاملةً الفواكه والقهوة. ولم ينسَ قط حزنها حين صادر السجان إبريق القهوة وسكبه على الأرض، ولا دموعها التي انهمرت صامتة. في تلك اللحظة، كتب على علبة سجائر في زنزانته اعترافاً شخصياً لها:
“أحنُّ إلى خبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي… وتكبر فيَّ الطفولة يوماً على صدر أمي… وأعشق عمري، لأني إذا متُّ أخجل من دمع أمي.”
لم يكن يدرك حينها أن هذا الاعتذار الحميم من طفلٍ إلى أمه سيتحول إلى أغنية يرددها الملايين عبر الأجيال.
اعتادت والدتي المجيء كل صباح إلى باب السجن لتظل طيلة اليوم جالسة أمامه حتى غروب الشمس، وهي تأمل أن يُفتح الباب ليخرج ابنها. كلما غادر نزيل المعتقل اشرأبّ عنقها لعل المغادر يكون ابنها، قبل أن تعود إلى مكانها الذي لم تبرحه مهما كانت تقلبات
حين توفيت والدتي وأنا في المهجر، أحسست بأنني تيتّمت مرتين: فقدت وطني ووالدتي معاً، وهنا تكمن المأساة الحقيقية. فهل يبقى في الحياة معنى حين تفقد دفء وطنك الذي رأيت فيه النور، وحب أمك التي منحتك الحياة؟
في تلك الليلة الصيفية، عشت ذكرى مليئة بالحزن والأسى. سكرت بكأسٍ فارغ من شدة وقع نبأ وفاة والدتي المفاجئ. بكيت بكاء النساء، وبكت معي نجوم السماء، ولم أتوقف حتى ظهر الخيط الأبيض من الأسود. كانت ليلة عسعس فيها الظلام طويلاً، وتنفس الصبح متأخراً.
الهجرة القسرية وبداية الألم
هاجرت مكرهاً وأُبعدت قهراً عن وطني بتهمة العشق الممنوع، حين أُدنت بفيض الحب للعبة جرّتني إلى القضاء. كنت أظن أن الأسر يقتصر على شخصي فقط، لكنه امتد ليشمل أمي التي عاشت معي كل فصول الحكاية.
كان سؤالي الدائم: لماذا كانت أمي تعارض هوايتي أكثر من أبي؟ كان أبي دائماً يشجعني ولا يقف في وجهي، بينما كانت أمي تعترض شغفي وتتصدى لرغبتي في اقتحام هذه المغامرة. حاولت مراراً أن أفسّر سر عشقي لهذه الهواية، وفشلت في مرافعتي دفاعاً عن لعبة لم تكن تستحق منها إشهار “الفيتو” في حقي. لكنني أدركت لاحقاً أنها كانت قارئة مستقبلي.
كنت حين أزورها في بيتها أجدها جالسة في البهو. أقبّل رأسها وأجلس أمامها أو بجانبها، وكلما سرقت خلسة نظرة إلى تقاسيم وجهها، وجدتها ترمقني والخوف يملأ عينيها. كانت تتأمل فنجاني المقلوب، وتحذرني من الاقتراب من سور حديقة لعبة محفوفة بالمخاطر، وتشعرني بأن سمائي ممطرة وطريقي مسدود. حاولت أن تصدّني وهي تتنبأ لي برحلة من مطار إلى مطار، ولسان حالها يقول: ستجوب بحاراً وبحاراً، وستفيض دموعك أنهاراً، وستعرف بعد رحيل العمر أنك كنت تطارد خيط دخان.
باءت كل محاولاتي بالفشل. كان الخوف والقلق يسيطران عليها كلما حدثتها عن الكرة، وحين تلمس إصراري تحيلني على المستقبل مؤكدة أن الزمن كفيل بإنصافها. حتى في تحذيراتها كانت أمي تتميز بعذوبة الكلمات التي تنساب من ثغرها. كانت الشعلة الحقيقية التي تنير دواخلنا وتضيء طريقنا، ولم تكن تترك أية فرصة دون أن تغرس فينا ونحن أطفال القيم والأخلاق.
تمنيت وأنا في المهجر أن أزورها لأرسم على جبينها قبلة اعتراف، وأقول لها إن الأيام أثبتت صدق نبوءاتك. سارعت الزمن من أجل تحقيق هذا الأمل، وتمنيت لو ارتميت في حضنها كطفل صغير، لكن القدر كان أسرع مني. أبى إلا أن يأخذها دون أن أطبع على جبينها قبلة الوداع، ودون أن تلقي نظرتها الأخيرة علي قبل أن تنطفئ الأنوار وترحل إلى مثواها الأخير.
رحلت وفي قلبها غصة من الألم لأنها لم تودّع ابنها ولم تذكّره بتحذيراتها. رحلت ورحل معها الكثير من الأمل، ماتت دون أن أسير في مقدمة مشيّعيها. هذه هي أمي التي كان همها الأكبر أن أعود قبل أن ترحل كي أجلس بجانبها وأشرب فنجان قهوتها السوداء المعطّرة.
تمسكت بأمل رؤيتها حتى وهي في جوف الأرض. قررت أن أبحث عن قبرها وأن أقبّل شاهدها وأن أبكيها وأقرأ الفاتحة وأقول لها: “كنت على حق، صدقت نبوءاتك يا أمي.”
لم تنطفئ شعلة حب والدتي، ولم تتمكن الأيام من وضع طبقات غبار على رحيلها. لا تزال تتراقص أمامي صور العلاقة الإنسانية التي كانت تربط بيننا حتى بعد وفاتها، صور تخاطب وجداني بشكل يصعب معه تمالك أنفاسي. سأظل أناجيك في وحدتي لأنك تملكين شهادة إقامة دائمة في دواخلي.
أحياناً ينتابني شعور بالذنب، وأقول في قرارة نفسي خلال خلوتي مع ذاتي: لقد أدّت ثمن تعلقها بي غالياً، حيث ظل أملها في لقائي ملازماً لها وأنا خلف أسوار المعتقل، واصلت أملها حتى بعد إطلاق سراحي، وذلك بعدما اخترت العيش بعيداً عنها في الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد أدركت أنني كنت جزءاً من محنتها، لكنني لم أكن أدرك رفضها لكرة صغيرة بمواجع كبيرة، إلا حين تحولت هذه اللعبة إلى نقمة رمت بي خلف القضبان. .
كم كنت أتمنى أن تنتهي مأساتها بمجرد خروجي من السجن، ولكنها رافقتها لسنوات عديدة. منذ أول يوم دخلت فصلاً آخر من فصول المآسي، حيث كانت أمنيتها الوحيدة أن أعود إلى الوطن. كم كانت تتمنى أن تفتح عينيها عند مطلع كل شمس فتجدني إلى جانبها، وكم كنت أتمنى العودة تحت جنح الظلام قبل طلوع الشمس لأرتمي بين أحضانها، علّني أخفف عنها بعض آلامها التي كانت منبع حزني، لكن القدر كان أسرع مني ومنها.
لقد تحملت كل المآسي إلا نبأ وفاة والدتي. كل المآسي تحملتها على مضض، إلا هذا الخبر الذي تلقيته في فجر إحدى الليالي، حين جالت بعينيها بحثاً عني بين إخوتي الذين جاؤوا من بعيد لإلقاء النظرة الأخيرة على جسدها الممدد على السرير في انتظار تسليم الروح لبارئها.
وقفوا عند رأسها في تلك اللحظة، وحين لم تعثر عليّ، لفظت آخر كلماتها: “لا فائدة من الانتظار يا ولدي، لن أراك بعد اليوم.” ثم قالت لإخوتي: “أطفئوا الأنوار، أريد أن أنام.” ثم رحلت إلى مثواها الأخير.