مذكرات محمد الجامعي:ماراثون القلب من المحيط الأطلسي إلى الهادئ
في سباق محموم مع الزمن خضت مرة أخرى غمار هذا السباق المحموم ضد عقارب الساعة التي لا ترحم، فتحولت إلى قاهر للمسافات اللامتناهية. اصبحت كالمسافر العنيد الذي يتحدى قوانين المكان والزمان، أشق طريقي عبر الأنهار المتدفقة والبحار الهائجة، أقطع المسافات دون توقف أو هوادة، متجاوزاً حدود الليل والنهار.
بدأت رحلتي الملحمية من مطار ميامي بولاية فلوريدا، حيث كانت أشعة الشمس الأمريكية الأخيرة لا تزال تداعب جلدي. من هناك، حلّقت نحو السماوات الأوروبية، لأحط الرحال في مطار جنيف، تلك الدرة السويسرية المحتضنة بين الجبال الشامخة والبحيرات المتلألئة. لم تكن كل محطة سوى استراحة عابرة، مجرد نفَس خاطف في هذه الأوديسة المضنية.
واصلت الرحلة صوب أراضي الخليج، حيث استقبلني مطار حمد في أبوظبي بروعته المعمارية وقبابه الذهبية التي تعكس وعود الشرق الأبدي. لكنني لم أستطع المكوث طويلاً؛ فقد كان قلبي يخفق على إيقاع وجهة واحدة نهائية.
وأخيراً، بعد أن تحديت المناطق الزمنية وعبرت ثلاث قارات، بلغت مطار مانيلا في الفلبين. هذه الأرض الاستوائية، المحاطة بمياه المحيط الهادئ، أصبحت ملاذ بحثي، ومحطة انتهاء حجي العاطفي.
فعند نهاية هذه الملحمة العابرة للقارات، وبعد قطع آلاف الكيلومترات في أحشاء الطائرات الفولاذية، كانت تنتظرني تلك التي أضرمت نار روحي. جئت لألتقي بمعشوقتي، لأعيش هذا الحب الممنوع، هذا العشق الذي يحاول العالم كبته، لكن لا المسافات ولا المحظورات ولا الحدود قادرة على إخماد جذوته.
كل خفقة من أجنحة الطائرة كانت تقربني منها، وكل سحابة أخترقها تمحو جزءاً من المسافة التي تفصلنا. تحولت إلى ذلك الرحالة العصري، ذلك العداء الماراثوني في سماوات الأرض، مستعداً لتحدي كل العقبات من أجل تذوق اللحظة المقدسة للقاء مع حبي المحرم.
في كل محطة، كانت روحي تتوق وقلبي يتسارع. قطعت القارات كما يقطع العاشق الولهان كل الحواجز، متسلحاً بإصرار لا يلين وشوق لا ينضب. كانت الرحلة طويلة شاقة، لكن الوصول إلى من أحب يستحق كل هذا العناء، كل هذه الأميال المقطوعة، وكل تلك الساعات المسروقة من عمر الزمن.
فالحب الحقيقي لا يعرف حدوداً جغرافية، ولا يخشى المسافات الشاسعة، ولا يستسلم للعوائق مهما كانت. إنه ذلك الدافع القوي الذي يحول الإنسان إلى بطل ملحمي، قادر على قهر المستحيل من أجل لحظة واحدة في حضرة المحبوب.
